فخر الدين الرازي
135
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أخذها واجب ، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه اللّه . الحكم الثاني أن قوله : مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً يقتضي أن يكون المال مالا لهم ، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكا للمالك في النصاب ، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة . وأن لا يكون لها تعلق البتة بالنصاب . وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب ، فالذي هلك ما كان محلا للحق ، بل محل الحق باق كما كان ، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان ، وهذا قول الشافعي رحمه اللّه . الحكم الثالث ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون ، وفي مال الضمان ، وهو ظاهر . الحكم الرابع ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام ، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام ، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام ، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه اللّه ، إلا أن الشافعي رحمه اللّه يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم ، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة ، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي ، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا ؟ المسألة الثالثة : في قوله : تُطَهِّرُهُمْ أقوال : القول الأول : أن يكون التقدير : خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم . القول الثاني : أن يكون تطهرهم معلقا بالصدقة ، والتقدير : خذ من أموالهم صدقة مطهرة ، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس ، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جاريا مجرى التطهير ، واللّه أعلم . إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله : وَتُزَكِّيهِمْ يكون منقطعا عن الأول ، ويكون التقدير خُذْ يا محمد مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ تلك الصدقة ، وتزكيهم أنت بها . القول الثالث : أن يجعل التاء في تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ضمير المخاطب ، ويكون المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة . المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » : قرئ تطهرهم من أطهره بمعنى طهره وتطهرهم بالجزم جوابا للأمر ، ولم يقرأ وَتُزَكِّيهِمْ إلا بإثبات الياء .